عبد الوهاب الشعراني
386
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
وضعه اللّه » . وفي رواية : « من تواضع تعظيما يخفضه اللّه ، ومن تواضع خشية يرفعه اللّه » واللّه تعالى أعلم . [ الحث على الصدق مع اللّه تعالى : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نصدق مع اللّه تعالى ومع إخواننا المسلمين في أقوالنا وأفعالنا ودعاوينا وإن كان صدقنا كالكذب بالنسبة لمقام غيرنا من الأولياء والصالحين . وقد أجمع الأشياخ على أن الصدق كالسيف ما وضع على شيء إلا أثر فيه ، فعلم أنه يسوغ لنا أن نقول نحن نحب اللّه ورسوله والمسلمين أجمعين على قدر ما أعطانا اللّه تعالى ، خلافا لما نقله الغزالي عن بعضهم من قوله : إذا قيل لك تحب اللّه أو تخاف اللّه فاسكت لأنك إن قلت نعم كذبت ، فإن أفعالك ليست أفعال المحبين ولا الخائفين ، وإن قلت لا أحب اللّه ولا أخافه كفرت ا ه . والأولى ما ذكرناه . فكل إنسان من المسلمين له نصيب في كل مقام من الخوف والرجاء والتقوى والزهد والورع وغير ذلك على قدر ما أعطاه اللّه تعالى ، ولكن إذا نظر الإنسان إلى مقام من فوقه قضى بأنه ما ذاق ذلك المقام أصلا بالنسبة إلى من فوقه ، فإذا قيل لك أتخاف اللّه ؟ فقل نعم على قدر ما وضعه اللّه عندي من الخوف . وإذا قيل لك أتحب اللّه ؟ فقل نعم ، على قدر ما وضعه عندي من المحبة له . وإذا قيل لك هل أنت ورع أو زاهد في الدنيا ؟ فقل نعم على قدر ما وضعه اللّه عندي من ذلك وهكذا فاعلم ذلك فإنه نفيس . وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه يقول : إنما عدوه من الكذب الملحق بالصدق كذب الإنسان على زوجته بأنه يحبها أكثر من ضرتها والكذب في الصلح بين الناس كقوله إن فلانا يحبك مع علمه بأنه يبغضه ، وهذا داخل في معنى الحديث من قوله : « وتقارب بينهم إذا تباعدوا » . وفي الحديث : « ليس بالكاذب من يصلح بين النّاس فيقول خيرا أو ينمي خيرا » . فإن قيل : فما معنى قوله تعالى : لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ [ الأحزاب : 8 ] . فإن اللّه تعالى سما صدقا فكيف يسأل عنه ؟ فالجواب أن المراد بهذه الآية الغيبة والنميمة ونحوهما إذا نقل العبد الكلام كما سمعه من غير زيادة منه وذكر أخاه المسلم بما فيه من السوء ، فهذا ، وإن كان صدقا فيسأل عنه ويؤاخذ به فما كل صدق حق إذ الصدق ما وقع والحق ما وجب فعله . ومعلوم أن الغيبة والنميمة وإن كانتا صدقا لا يجوز فعلهما ، إذ ما كل صدق يجوز فعله وذكره بخلاف الحق فافهم . واختلفوا فيمن سئل عن شيء يلزم منه أذى لمسلم ، كما إذا قال لنا ظالم أين فلان يعني حتى يظلمه بأخذ مال أو ضرب ونحوهما هل يصدق أو يقول لا أعلم طريقه ويورّي عن ذلك ؟ فقال بكل منهما قوم ، والمختار جواز الكذب بل وجوبه .